توقعات النمو: انخفاض التقديرات لنمو الاقتصاد في 2026 وتوقع الانتعاش في 2027

خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2026 إلى 1.7% فقط، بعد أن كانت 4.5% في يناير، لكنه رفع توقعاته لعام 2027 إلى 5.5%. هذه الفجوة بين عامين متتاليين تلخّص المشهد الحالي: تباطؤ مؤقت سببه اضطرابات إقليمية، يليه انتعاش متوقع مشروط بعودة حركة الملاحة والتصدير إلى طبيعتها.

في هذا المقال نستعرض أحدث التقديرات الصادرة عن المؤسسات الدولية والمحلية، وأسباب خفضها، وما تقوله البيانات الرسمية الفعلية عن أداء الاقتصاد حتى الربع الثاني من 2026، ثم ما يعنيه ذلك للمستثمر في السوق السعودية.

كيف تغيّرت توقعات نمو 2026 خلال ستة أشهر؟

تراجعت توقعات صندوق النقد الدولي لنمو 2026 ثلاث مرات متتالية خلال النصف الأول من العام:

  1. يناير 2026: توقع الصندوق نمواً بنسبة 4.5%، وهو معدل قريب من أداء 2025.
  2. أبريل 2026: خُفّضت التوقعات إلى 3.1%، بعد أن بدأت آثار الحرب في المنطقة تظهر على إنتاج النفط وصادراته.
  3. يوليو 2026: خُفّضت مرة أخرى إلى 1.7% في تحديث آفاق الاقتصاد العالمي، مع إشارة واضحة إلى تعطّل الصادرات النفطية وتأثر أنشطة غير نفطية مثل النقل والخدمات اللوجستية والسياحة.

للمقارنة، كانت وزارة المالية قد قدّرت في ميزانية 2026 المعتمدة في ديسمبر 2025 نمواً حقيقياً بنسبة 4.6%، مدفوعاً بتوسع الأنشطة غير النفطية. أي أن التقديرات الحالية تقل بأكثر من النصف عن التقدير الرسمي الأصلي.

لماذا انخفضت تقديرات النمو؟

السبب الرئيسي هو الحرب التي اندلعت في المنطقة أواخر فبراير 2026 وما تبعها من شبه توقف للملاحة عبر مضيق هرمز. هذا المضيق يمر عبره في الظروف العادية نحو خُمس إمدادات النفط الخام العالمية، وقد تراجعت حركة السفن فيه من 130–140 سفينة يومياً قبل الأزمة إلى نحو 10 سفن تجارية يومياً في مطلع سبتمبر، وفق بيانات Kpler التي نقلتها رويترز.

الأثر على السعودية كان أقل حدة من معظم دول الخليج، لكنه ظهر بوضوح في الأرقام. فالمملكة تملك مسارات تصدير بديلة عبر خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر، وهو ما جعل صندوق النقد يصفها بأنها من أقل الاقتصادات الخليجية تضرراً. في المقابل، توقّع الصندوق انكماش اقتصادات البحرين والكويت وقطر في 2026. لكن المسارات البديلة لا تعوّض كامل الطاقة التصديرية، ولذلك تراجع الإنتاج النفطي، ومعه الناتج المحلي الإجمالي.

إلى جانب النفط، أشار الصندوق إلى أن الحرب أضعفت الثقة وأبطأت النشاط غير النفطي، وتوقّع أن يتباطأ نمو هذا القطاع إلى 2.6% في 2026.

ماذا تقول البيانات الرسمية عن أداء الاقتصاد فعلياً؟

الأرقام الفعلية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء تؤكد صورة التباطؤ، وتوضح أن الضربة تركزت في النفط.

الفترةنمو الناتج المحلي الحقيقي (سنوي)الأنشطة النفطيةالأنشطة غير النفطيةالأنشطة الحكومية
الربع الثاني 2026-4.7%-24.8%+0.9%+0.9%
الربع الأول 2026+3.0%+2.9%+2.9%+1.5%
عام 2025 (تقدير صندوق النقد)+4.6%–––

في الربع الأول من 2026، كانت الأنشطة غير النفطية المساهم الأكبر في النمو بـ1.7 نقطة مئوية، وسجلت الأنشطة المالية والتأمين وخدمات الأعمال أعلى معدل نمو بنسبة 5.4%. أما في الربع الثاني، فانكمش الناتج بنسبة 4.7% على أساس سنوي بسبب هبوط الأنشطة النفطية بنحو الربع، بينما حافظت الأنشطة غير النفطية على نمو إيجابي محدود.

هذه النقطة مهمة لفهم الصورة: الاقتصاد لم يدخل في انكماش شامل. القطاعات غير النفطية واصلت النمو، وإن بوتيرة أبطأ بكثير من معدلات تجاوزت 4% في العام السابق. وسجلت خدمات المجتمع والخدمات الاجتماعية والشخصية أعلى نمو في الربع الثاني بـ4.1%، تلتها خدمات المال والتأمين والأعمال بـ3.3%.

توقعات 2027: لماذا يتفاءل الجميع؟

تتفق المؤسسات الرئيسية على أن 2027 سيكون عام انتعاش قوي، لكنها تختلف في حجمه:

الجهةتوقع نمو 2026توقع نمو 2027تاريخ التوقع
صندوق النقد الدولي1.7%5.5%يوليو 2026
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)3.2%4.3%يونيو 2026
الرياض المالية0.9%6.8%يونيو 2026

منطق الانتعاش بسيط: حين يعود الإنتاج والتصدير النفطي إلى مستوياته الطبيعية، سيقارن اقتصاد 2027 نفسه بقاعدة منخفضة في 2026، فتظهر نسبة نمو مرتفعة. تتوقع الرياض المالية مثلاً أن يرتفع إنتاج النفط الخام من 9.1 ملايين برميل يومياً في 2026 إلى 10.4 ملايين في 2027، وأن ينمو القطاع النفطي 14.3% بعد انكماشه 3.6%. وتتوقع أيضاً تسارع نمو الأنشطة غير النفطية من 3.0% إلى 4.7%.

الشرط الذي يقوم عليه الانتعاش

كل هذه التوقعات مشروطة. صندوق النقد بنى رقم 5.5% على افتراض أن مضيق هرمز سيبدأ إعادة الفتح في منتصف يوليو 2026، وأن الأوضاع ستعود تدريجياً إلى ما قبل الحرب بحلول مارس 2027. والرياض المالية افترضت إعادة فتح تدريجية بدءاً من سبتمبر 2026.

حتى مطلع سبتمبر، لم تكن حركة الملاحة قد تعافت بعد، وهو ما يعني أن هذه الافتراضات تتعرض لضغط. إذا طالت الاضطرابات، فمن المرجح أن تُراجع توقعات 2027 نزولاً في التحديثات القادمة. وإذا عادت الملاحة أسرع من المتوقع، فقد يأتي الانتعاش أقوى. لذلك من الأفضل قراءة رقم 2027 على أنه سيناريو أساسي، لا نتيجة مؤكدة.

مؤشرات أخرى تستحق المتابعة

  • التضخم: بقي منخفضاً عند 1.8% في أغسطس 2026، ويتوقع صندوق النقد متوسطاً قدره 2.2% للعام كاملاً.
  • العجز المالي: يتوقع الصندوق أن يتراجع إلى 3.7% من الناتج المحلي في 2026، مقارنة بـ5.8% في 2025.
  • الاستثمار: رغم التباطؤ، سجّلت التراخيص الاستثمارية رقماً قياسياً في الربع الثاني (رابط داخلي ← مقال “قفزة في التراخيص الاستثمارية بالسعودية”).
  • البيان التمهيدي لميزانية 2027: تصدره وزارة المالية عادةً في نهاية سبتمبر، وسيحمل أول تقدير حكومي رسمي محدّث لنمو 2026 و2027.

ماذا يعني ذلك للمستثمر؟

التباطؤ الحالي ناتج عن صدمة خارجية أصابت النفط تحديداً، وليس عن ضعف هيكلي في الطلب المحلي. هذا التمييز يهم المستثمر في سوق الأسهم السعودية، لأن القطاعات المرتبطة بالاستهلاك المحلي والخدمات المالية تتأثر بشكل مختلف عن الشركات المرتبطة بأسعار النفط وكمياته.

في الوقت نفسه، التوقعات المتفائلة لعام 2027 تعتمد على عامل جيوسياسي لا يمكن التنبؤ به بدقة. المستثمر الحذر يتابع ثلاثة أشياء: حركة الملاحة في مضيق هرمز، وبيانات الناتج الفصلية من الهيئة العامة للإحصاء، والتحديثات القادمة لتوقعات صندوق النقد في أكتوبر. ولفهم دور القطاعات غير النفطية على المدى الطويل، اقرأ مقالنا عن تنويع الاقتصاد السعودي (رابط داخلي ← مقال “تنويع الاقتصاد السعودي”).

هذا المقال لأغراض معلوماتية فقط ولا يُعد توصية استثمارية.

المصادر